أبي منصور الماتريدي
79
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يقلدهم عن اتباعهم وتقليدهم ، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع منهم وأدعى لهم إلى الإيمان أعني الأتباع ومن يقلدهم ، ويكون ذلك سببا لإبعادهم عن اتباعهم وتقليدهم إياهم ؛ هذا وجه . والثاني : قوله : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي : اجعل ذلك آية تضطرهم إلى الإيمان ، فإنهم لم يؤمنوا بالآيات التي أرسلتها عليهم من الطوفان والجراد وما ذكر من البلايا ، فيكون قوله : فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ هذا من طمس الأموال وقساوة القلوب وشدتها ، والله أعلم . وقال بعض أهل التأويل : واشدد على قلوبهم واطبعها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهو الغرق « 1 » فعند ذلك يؤمنون ، وأما بهذه الآيات فلا . هذا يحتمل إذا كان الله - عزّ وجل - أخبر موسى أنهم لا يؤمنون فيسع له هذا الدعاء ، وأما قبل أن يخبره بذلك فلا يسع له أن يدعو بهذا ، وهو إنما أرسله إليهم « 2 » ليدعوهم إلى الإيمان والطمس . قال أبو عوسجة : هو الذهاب بها ، أي : اذهب بها . وقال القتبي « 3 » : قوله : رَبَّنَا اطْمِسْ أي : أهلكها « 4 » ، وهو من قولك : طمس الطريق إذا عفا ودرس . وقال غيره : الطمس هو المسخ « 5 » ؛ كقوله : لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [ يس : 66 ] أي : مسخناهم . وقال بعضهم : الطمس هو التغيير عن جوهرها « 6 » ، دعا موسى بهذا الدعاء بالأمر لما أيس من إيمانهم ؛ وهو كقول نوح : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ الآية [ 26 ، 27 ] عند الإياس منهم فعلى ذلك موسى ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال بعضهم : إن موسى كان يدعو وهارون يؤمن على دعائه « 7 » ، فقال الله - عزّ وجل - : قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما سمى كليهما
--> ( 1 ) في أ : الفرق . ( 2 ) في أ : عليهم . ( 3 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 198 ) . ( 4 ) ذكره البغوي ( 2 / 365 ) ونسبه لمجاهد . ( 5 ) ينظر السابق . ( 6 ) ذكره بمعناه ابن جرير ( 6 / 599 ) وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 186 ) . ( 7 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 603 ) عن كلّ من : عكرمة ( 17861 و 17867 و 17868 ) ، وأبي صالح ( 17862 ) ، ومحمد بن كعب ( 17863